البيان
يعد سالم الحتاوي واحدا من أبرز المؤلفين المسرحيين في الإمارات، وأكثرهم إنتاجا، وأوفرهم حظا في تجسيد مسرحياته على خشبة المسرح، فمنذ ظهوره على الساحة المسرحية في مطلع التسعينات لا يزال الحتاوي أغزر إنتاجا وتواصلا مع الفرق المسرحية في الدولة، ولم يتوانَ الحتاوي يوما عن تقديم مسرحه المتنوع فكان بمثابة التفاعل الإيجابي مع المتلقي، مما شكل إثراء للحياة المسرحية وهمومها المعاشة بين الناس العاديين.
صورة المؤلف المسرحي سالم الحتاوي تتسم بقربها من الوضوح والسعة مما يخولها لقراءات متعددة، وخاصة لتميزها ببعدها الاجتماعي النفسي والبيئي، والذي يحاول من خلالهما أن يوظف المسرح لأكبر عدد من المشاهدين يمكنهم أن يتلمسوا في مسرحه حرارة الواقع ومساحة الحوار والتفاعل.
في هذا اللقاء يكشف سالم الحتاوي عن رؤاه للمسرح، متوقفا عند أهم المراحل الفنية التي عايشها على طوال هذه المرحلة الزاخرة بنتاجه الوفير.
ـ تعدُ واحدا من أبرز المؤلفين المسرحيين في الإمارات، وأكثرهم إنتاجا أليس كذلك ؟
ـ الكاتب المسرحي الملهم هو من ينقل هموم شعبه بشفافية مطلقة، وجلَ همه أن يصب تركيزه على هذا الواقع محاولا تجسيده بكثير من العناية لعله ينير دروباً مظلمة تضيء ما حولها من مساحات كانت منسية من قبل. أنا مقل اليوم في إنتاجي المسرحي لأني منكب على كتابة نصوص تلفزيونية، وستعرض في الوقت القريب.
ـ هل تعيش اليوم تغيرا في رؤاك المسرحية مقارنة مع مطلع التسعينات؟
ـ بالطبع الكاتب الملهم هو من يعيش حاضره وماضيه معا.إن التآلف بين الزمنين يشكل التفرد عند الكاتب الذي يتوقف عند هموم شعبه، وهواجسه. أنا اليوم أمتلك النضج الفني في أدواتي الكتابية، وهذا بدوره يدفعني للتطلع نحو مماشاة العصر.
قد أوافقك الرأي بعض الشيء، بخصوص الرؤى المسرحية، وأنا في قلب الحدث معها، وهذا مرده إلى تواصلي مع الساحة الفنية، ولا أخفيك أمرا أنا على اتصال تام مع الواقع المسرحي وهمومه المتشعبة، ولا ضير في أن تجد لي ثلاثة نصوص في الورشة المسرحية التي أشرف عليها مجلس دبي الثقافي.
ولكن في الفترة الأخيرة أركز على كتابة النص التلفزيوني، ويمكنني القول إنَ الكاتب المسرحي الجيد هو على استعداد متواصل للتغير، والتكيف مع المناهج الجديدة، وهذا ما أدى إلى التغير في منهجي، وأصبحت أفكر بفكر جديد.
وهذا يعود إلى الأحداث المحيطة بحياتي، ما يحتاجه الكاتب الكثير من الإطلاع والقراءة وهذا ما يؤدي إلى النضج في النص المكتوب.ان المشاركة في الندوات الفكرية، والاحتكاك مع الأشخاص يفتح أفقا آخر للكتابة. لغاية اليوم أنا وفي لواقعي، وأستطيع القول هنا أنا في بحث مستمر عن الجديد، ولو باستطاعتي العودة إلى نصوصي القديمة، والتي كنت أرى فيها قيمة فنية لكتبتها بشكل معاصر، ولكني تراجعت عن هذه الفكرة .
ـ هل تعتقد أن النص المكتوب يلعب الدور الرئيس في نيل الممثل الجوائز الأولى؟
ـ النصُ هو الهيكل في أي عمل فني، شعري، مسرحي، قصصي، والمسرح هو لعبة جماعية، والنص هو أحد العوامل من اللعبة المسرحية، والنص يحتاج إلى مخرج جيد، وممثلين يحملون أدوات تمثيلية جيدة وأرى أن النص المسرحي يشكل سبعين في المئة من نجاح المسرحية بكلمة موجزة إذا لم توجد الكلمة لا يوجد مسرح بأي شكل من الأشكال.
ـ يلاحظ تركيزك في أعمالك المسرحية على استلهام الموروث، وتوظيفه وهو ما يعد بعدا عن الواقع، برأيك إلى أي مدى يغني هذا الحاضر بمشاكله وهمومه؟
ـ إشكالية النص العربي هو تصادمه تارة مع الأنظمة، وتارة مع المراقبة. ولهذا يلجأ الكاتب بكتابته إلى الموروث، والتاريخ لإسقاطه على الواقع، وبكوني كاتبا عربيا أستعين بالموروث لإيصال فكرتي، فعلى سبيل المثال كتبت نصي (عرج السواحل)لإسقاطه على الواقع.
إذ أنني لم أحده بزمان أو مكان، وهذا ما تجده أيضا في مسرحيتي(الياثوم) اذ مسرحت معها الطقس الشعبي، وكثير من الناس أحبوا هذه الفكرة. وفي الوقت ذاته لديَ مسرحيات معاصرة تتناول قضايا الحاضر، وهمومه، ولكنها لم تعرض بعد. ـ المتتبع لإعمالك المسرحية يرى تميزها ببعدها الاجتماعي النفسي والبيئي، هل توظف هذا للحصول على مشاهدين أكثر؟
ـ برأيي أن النصوص التي يكتبها الكاتب تعجز عن ملامسة الحس النفسي عند المتلقي يعني ببساطة أن الكاتب يعيش بمنأى عن واقعه، فكتابة أي شخصية أو تناولها على المسرح تحتاج إلى بعدها الإنساني النفسي، ومهمة الكاتب أن يجسدها بواقعها. ساعدت ولادتي في حارة فقيرة على تعرفي على شريحة واسعة من مختلف الأمزجة وهذا ما شكل عندي هما لتناول هذه المواضيع كافة.
وبقدر ما تكون قادرا على نقل هموم الناس العاديين ستكون نصوصك منتشرة لأنها تجسد هموم الناس العاديين ببعدها النفسي والإنساني.
ـ يمتاز مسرحك بحرارة الواقع ونبض الوطن ومساحة الحوار والتفاعل، هل توافقني الرأي؟
ـ أنا في بحث دائم عن الحدث في بيئتي، ولهذا أنتقي منها شخصياتي التي تستوقفني لكتابتها. ولا عجب أن تراني قريبا من الناس، ومشاكلهم وهواجسهم في آن.الكاتب الفذ هو من تنتشر نصوصه عبر العالم العربي دون أن يحدها، أو يمنع انتشارها عائق. فنصوصي الكتابية تنقل هذه الحالة من الوعي، ولديَ الكثير من النصوص التي تضيء على الوجع العربي، ومنها (صمت القبور) و(النخاس).
ـ هل هناك أزمة نص تتمثل في جيل الشباب، وما لاحظناه في مهرجان دبي للمسرح افتقاد الورشة المسرحية لنصوص مسرحية جديدة؟
ـ لا صحة لهذا الأمر بتاتا، ففي كل سنة تقام مهرجانات عربية مختلفة ابتداء من الكويت، والأردن، ووصولا إلى مسرح التجريبي في القاهرة.السؤال هنا هل إقامة هذه المهرجانات سنويا يعني أن هناك أزمة نص. فالكتاب موجودون، ولكن المتميزين قلَة.هناك أزمة تميز.فالأرض التي تنجب الكاتب تنجب الشاعر، وهذه الحقيقة على كل الأصعدة.
ـ لنتكلم عن الرقابة في المسرح ايجابياتها، وسلبياتها؟
– الرقابة سلاح ذو حدين فالنص العربي يصطدم بها، وهذه الرقابة تحدُ من رؤى الكاتب المسرحي.فعلى سبيل المثال الرقابة في بعض الأحيان تفسد على الكاتب كتابة نص يحمل رؤى وقيمة فنية تلامس الواقع، المشكلة هي أننا في وطن لا نحتاج فيه إلى الرقابة، فالفضائيات تعرض ما هو ممنوع، والمشاهد بدوره يبحث عن الممنوع في القنوات التلفزيونية.
الكاتب يمتلك الرقابة الداخلية في نفسه لأنه تربى على مبادئ ويعتنق دينا، ويعرف ما الفرق بين الصواب والخطأ، نحن في زمن نحتاج فيه أن نواجه الواقع بكل جرأة، ولا نحتاج مطلقا أن ندفن رؤوسنا في التراب كالنعام.
دبي ـ سامي نيال
الخميس، 6/9/2007 12:38 ص







