البيان
يوما بعد يوم تثبت عروض هذه الدورة من أيام الشارقة المسرحية، أو على الأقل العروض التي شهدناها حتى اليوم، افتقادها حقيقة للاشتغال المسرحي، ولتلك الملامح والتجارب التي تقودنا نحو مسرح حقيقي ينتمي إلى هذا العصر، ويحاول اقتراح الجديد في بنية مسرح محلي ليس من المقبول وسمه بالمسرح الناشئ أو الجديد.
ويبدو واضحاً أن الأسماء الشابة والجديدة في المسرح المحلي هي التي تأخذ على عاتقها التجريب والتجديد وتسقط في كثير من الأحيان تحت عبء عدم الخبرة الكافية، بينما تمضي الأسماء الكبيرة والقادرة وصاحبة الخبرة نحو أشكال مسرحية مكررة ومطروقة.
وخاصة في الأعمال التي تعود إلى تاريخ المنطقة، وكأنه لا مجال للاشتغال على مثل هذه النصوص إلا وفق أنماط تقليدية، على مستوى الشكل والمضمون.
مسرحية السردال لفرقة مسرح دبي الشعبي تنتمي إلى ما أشرنا إليه سابقا، فهي عرض كبير بكل ما تعنيه هذه الكلمة، لناحية الشكل والمضمون، لكن ليس في هذا العمل ما يمكن الحديث عنه أكثر من انه تجربة نمطية، تقوم على الفرجة.
والأجواء الدرامية التلفزيونية، رغم أن هذا العمل يجمع بين جنباته، قوة ضاربة من العناصر المسرحية الكبيرة منها عبد الله صالح كمؤلف، احمد الأنصاري المخرج، محمد جمال الإضاءة وفريق تمثيل كبير العدد منهم محمد سعيد، عادل إبراهيم، عبد الله صالح، مريم سلطان، سعيد عبد العزيز، عبد الرحمن الزرعوني، فاطمة حسن، على العشر، والمتألق دائما على الخشبة مروان عبد الله صالح، برفقة عبدالله الجفالي .
يطرح نص العمل مقولة خطيرة، ويحاول استعادة الماضي لإسقاطه على اللحظة الراهنة، من زاوية تمزج بين الخيال والحقيقة التاريخية الموثقة، فكان للعمل من ناحية الحكاية مستويان الأول خيالي يدور في قرية الشيخ شاهين لنرى الكثير من الظروف الاجتماعية والاقتصادية.
والمستوى الثاني يتعلق بخلفية هذه الظروف المتعلقة بشركة الهند الشرقية التي كانت تسيطر على مقدرات المنطقة وتبتلع خيراته، ولا ندري لماذا عاد عبد الله صالح الى الماضي مادام يرغب بتنبيهنا إلى الحاضر، رغم انه من حولنا اليوم آلاف من أمثال شركات الهند الشرقية.
ومطامع اقتصادية أدهى وألعن، وليس لنا تجاهل الحس الكوميدي الكبير في هذا العمل، لكن حقيقة الأمر أن عمق مقولة العمل ضاعت في الفرجة، ولم تصل حد وخز الضمير والتأثير الوجداني، لأن هذا النوع من الفرجة قلما يعلق في الذاكرة.
جهود احمد الأنصاري في هذا العرض كبيرة وملموسة، وليس لأحد إلا ان يدرك وجود مخرج كبير قادر على تقديم عمل مسرحي متماسك ومدروس،الفضاء السنوغرافيا، السيطرة على المناخات العامة.
وهذا الحشد الكبير من الممثلين الذين ضبطت حركتهم، وكانوا متألقين على الخشبة وخاصة محمد سعيد صاحب الدور المهم في هذا العرض، ومروان صالح الذي يمتلك نكهة خاصة جدا على الخشبة، نحو عمل جميل، استقطب الصالة، وامتلكها.
وهي ميزة بحد ذاتها، أن نقدم عملا يحبه الناس ويصفقون له بحرارة، لكننا حين نكون بين يدي عبد الله صالح واحمد الأنصاري، فإننا نطمع بمسرح آخر، بشكل جديد في التناول، وقراءة مختلفة لعناصر العمل المسرحي.
وفي نهاية المطاف ليس لنا أن نعيب على العرض شكله ومضمونه، لأنه في نهاية المطاف عرض ناجح بكل المقاييس، لكننا نؤكد من جديد ان ليس هذا هو المسرح، المؤلم والموجع، والذي يعتبر مساحة لاختبار الذات والآخر.
وإخضاع الحياة وتحليلها، المسرح الذي يراهن على العقل، ووخز ذواتنا الباردة والمتحجرة، خطورة الأمر في هذا العمل أن الجمهور لم يخرج ناقما على السردال الباقي والمستمر والذي يخنق أيامنا وأحلامنا، بل خرج بابتسامة وفكرة صغيرة سرعان ما تنسى بعد ترك الصالة بقليل.
كرسي النادي العربي
مرة تلو الأخرى يقدم النادي الثقافي العربي في الشارقة نفسه شريكاً حقيقياً في الأيام المسرحية، ومرة تلو الأخرى تنضج التجربة، وتصبح أكثر تألقا وحضورا.
ومع مسرحية الكرسي التي عادت إلى الزير سالم للكاتب الراحل الفريد فرج بمثابة التحية له، شهدنا عرضاً جميلاً، حاول فيه مخرجه حسن بوشعيرة أن يقدم لنا شكلاً جديداً في الفرجة، يدمج بين التمثيل والواقع لفرقة مسرحية تجري بروفاتها على عرض مسرحية الزير سالم.
ورحنا نعايش نمو هذه البروفات، مع المخرج الذي يظهر بعد كل مشهد ليقدم ملاحظاته، لكن أبو شعيرة لم يستطع على ما يبدو خلع عباءته كمخرج تلفزيوني معروف، فكنا رغم ذكاء الفكرة في تناول العرض نشعر أننا أمام بروفات لمشهد تلفزيوني.
وربما فكرة تدخل المخرج المتكرر قليلة ساهم في تشويش حالة الإيهام والتفاعل مع العمل بصورته الكلية، رغم أن المشاهد الصغيرة كانت موفقة خاصة وأن أبوشعيرة يتعامل مع مسرحيين غير محترفين.
العرض بصورته العامة جميل ويجمع بين جنباته الكثير من الأفكار والمعاني والإسقاطات على واقع السلطة والصراع عليها وعلى الدم المسفوح بين الإخوة المتحاربين، وكنا أمام لفتات ذكية من المخرج على صعيد السينوغرافيا، وخاصة تلك الشاشة المصبوغة بلطعات دم تكبر وتكبر مع تقدم أحداث العمل وتضخم الكارثة.
ليس في هذا العرض محاولة لاستعراض العضلات، بقدر ما هي تجربة هادئة، وبسيطة لفرقة مسرحية تتطور عاما بعد عام، وعلى صعيد التمثيل برزت طاقات جميلة، وخاصة الشاب رائد الدلاتي، الذي بدت موهبته التي تتطلب المزيد من الصقل والعمل، وبدا اعتماد المخرج عليه في أصعب المشاهد.
وشيرين وهي ممثلة صاحبة خبرة والتي يبدو انها قدمت في هذا العرض أفضل ما قدمت في هذه الدورة من الأيام، دون تجاهل إياد فخري، سهير مصطفى، وعصام اليوسف، ورغداء سلمان، ورامي الخطيب، الذين كانوا متعاونين جدا نحو تقديم عرضهم الكرسي.
أبو شعيرة في هذا العمل اختار شكلا مغايرا للفرجة، لكن نعود إلى القول إن الإكثار من حضوره على الخشبة، ربما ساهم قليلا في تشتيت انسجامنا مع العمل، الذي وصل في نهايته إلى خطابية كان يمكن تجنبها وخاصة مع مقولات الدلاتي حين اخذ دور ابن كليب في المشهد الأخير، لكن هذا العرض راهن على المشاكسة والمغايرة، في شكل الفرجة.
وخلق تداخلاً بين الصالة الخشبة، واللعب على المكشوف، والدمج بين صفة الحكي أو الحكواتية بصورة مخففة عندما كان أبوشعيرة يحدثنا عن المشاهد التي سنراها. إن عرض الكرسي للنادي الثقافي العربي تجربة موفقة وجميلة، برفقة مخرج قرر عدم اختيار السهل، رغم أن فريق عمله من الهواة.
حازم سليمان
الأحد، 26/3/2006 12:13 ص
«السردال» فرجة تقليدية ناجحة والنادي العربي يتذكّر الفريد فرج







