الاحتكاك بين الأجيال يفجر الطاقات الفنية

عثمان حسن
جرت العادة في مهرجان دبي لمسرح الشباب الذي تنظمه هيئة دبي للثقافة والفنون، وتجري التحضيرات لإطلاق دورته التاسعة في نوفمبر المقبل، أن يكون مهرجاناً حاملاً للجديد في كل دورة، لا سيما وأنه ومنذ بدأت الهيئة بالتخطيط له، راهنت على طاقة الشباب واستعدادهم لتقديم شيء جديد، مستفيدين من خبرة الجيل الذي سبقهم، من ممثلين ومخرجين وكتاب نصوص مخضرمين، ومعروفين في الساحة المسرحية في الإمارات.
بعض هؤلاء الشباب شارك الكبار بعضاً من تجاربهم الفنية في مواسم ومهرجانات معروفة كمهرجان أيام الشارقة المسرحية، كما تحمل دورات المهرجان في كل مرة مشاركات لمواهب جديدة، على صعيد كتابة النصوص أو الإخراج أو الطاقات التمثيلية.
زاد من أهمية هذا المهرجان، الذي انطلقت دورته الأولى في عام 2006 حرص الهيئة، وفي الفترات التي تسبق انعقاد المهرجان على تنظيم مجموعة من الورش التي تشمل كل عناصر العرض المسرحي، ويشارك في هذه الدورات شباب جدد، وأيضا عناصر لديها بعض الخبرة في الفرق المسرحية المختلفة، ومن المهم في هذا السياق أن نشير إلى أهمية هذه الورش، التي حرصت الهيئة من ورائها على استضافة خبراء مسرحيين من الوطن العربي، مشهود لهم بالتجربة، والتراكم، على صعيد مشاركتهم في كثير من الأعمال المسرحية المعروفة في الوطن العربي، حيث يقوم هؤلاء بضخ تجاربهم من خلال كثير من البروفات والتطبيقات العملية والنظرية في علوم المسرح المختلفة.
في هذا الإطار، يمكن الإشارة، إلى الورشة التي عقدت مؤخرا في مسرح دبي الشعبي حول فنون التمثيل المسرحي بمشاركة عدد من المختصين واعتمدت أساليب جديدة في الطرح، سبقها الالتقاء بكل متدرب على حدة، وهو إجراء لم يتبع من قبل، وذلك لمعرفة مدى استعداد هذا المتدرب للشروع في فن المسرح، وسعي الورشة للمرة الأولى كذلك باستحداث أسلوب مغاير في التعليم، خصوصا في مجال البحث المسرحي، وإطلاع المتدربين على نماذج من المسرح العالمي، كالمسرح الشعري الإغريقي، بما في ذلك النصوص المسرحية العالمية المعاصرة.
في الحديث عن ميزات مسرح دبي للشباب، لا بد من الإشارة إلى اللغة العربية، التي ضمنتها خطة تقديم النصوص، وهي الاستراتيجية التي اتبعتها اللجنة المنظمة للمهرجان منذ بداياته، كانت العربية، محطة مهمة في تشجيع الشباب على تقديم نصوص تضاهي مثيلاتها في المسرح العربي والعالمي، وهو الذي وسع من دائرة الإقبال على المسرح، سيما وأن اللغة العربية، تتيح إمكانات واسعة للحوار، وهي تولد لدى الشباب رغبة في متابعة الكتابة وقراءة منتخبات من النصوص، والتعرف إلى مقدار الشحنة الدرامية فيها، وإذا كانت اللجنة، قد سمحت ببعض الأعمال المكتوبة باللهجة المحلية، فيبدو أن التشجيع على العربية، قد أفاد البعض وسلط الضوء على أعمال رصينة لأسماء شبابية حصلت على جوائز، ومنهم على سبيل المثال طلال محمود وحميد فارس، وجاسم الخراز، وعبدالله الراشدي، كما برزت اسماء في التمثيل والإخراج منها على سبيل المثال: مروان عبدالله صالح، حمد الحمادي، مرتضى جمعة، ابراهيم استاذي، عبدالله بن حيدر، حمد عبدالرازق، بدور، أشواق، هؤلاء حصلوا على جوائز وقدمت أعمالهم في مهرجانات كثيرة كالأيام وبعض مواسم المسرح الخليجي.
الحديث عن نجاحات هذا المهرجان، جاء مؤخراً على لسان ياسر القرقاوي مدير إدارة الفعاليات والمشاريع في هيئة دبي للثقافة والشباب، ورئيس اللجنة المنظمة للمهرجان، بمناسبة مرور تسعة أعوام على اطلاقه، حيث حمل تصريحه الكثير من النقاط، التي تضيء على هذه التجربة ومن ذلك مثلا، أن المهرجان أصبح جماهيريا ويراهن عليه كأحد المهرجانات المهمة في الإمارات، وأنه قد آن الأوان لهذا المهرجان كي يخطو خطوة أخرى نوعية إلى الأمام، على مشارف دورته التاسعة في نوفمبر المقبل، نحو مزيد من الاحتراف لا سيما وقد أسندت مهمة نائب رئيس اللجنة المنظمة إلى إحدى المواهب الشابة التي شاركت في دورته الأولى، وهي المخرجة منال بن عمرو، الخبيرة في الدراما المسرحية والسينمائية.
أشار القرقاوي إلى خطة جديدة سيتم اتباعها، ويتعلق ذلك بمفهوم معاً الأعمال المقدمة، والآليات الجديدة المتبعة للمشاركة في فعاليات المهرجان التي تركز على كونه مهرجانا جماهيريا، وهو المعيار الأساسي لانتقاء الأعمال المشاركة في دورته المقبلة، التي ستشهد حضور نخبة من ألمع الممثلين والنجوم العرب.
استدعاء ذاكرة المهرجان من خلال بعض التفاصيل مهم، لجهة التأكيد على المستوى المتدرج لتطور المهرجان، فمنذ الدورة الأولى في عام 2007 سعت اللجنة المنظمة للمهرجان لكي يكون ذا طابع عربي، فقد اجتمعت لجنته المنظمة حينذاك مع رئيس لجنة التحكيم الفنان المسرحي الكويتي منقذ السريع الذي قال حينها «إن الشباب رئة مسرحية جديدة للساحة المسرحية العربية بشكل عام، وهم من سيحملون الشعلة والراية بعد هذه الأجيال المسرحية المتعاقبة».
في كلمة السريع كان هناك تنويه بالورش المسرحية، التي سبقت انعقاد الدورة الأولى، ومن هنا، فإن متلازمة الورش ومهرجان دبي لمسرح الشباب ظلت على الدوام من الثوابت التي يحرص عليها المهرجان عاما بعد عام، بهدف إثراء الفن المسرحي من أداء تمثيلي وإخراج، والتدريب على تأليف النصوص، ناهيك عن اطلاع المتدربين على تأليفات وعروض من المسرح العالمي.
ومن يرصد تطور هذا المهرجان المسرحي المتميز، لا بد له من التوقف عند الكثير من الإنجازات ومنها: فوز مسرحية «ألف ليلة وديك» التي كتبها طلال محمود، وأخرجها مروان عبدالله بأفضل إخراج في الدورة 22 من أيام الشارقة المسرحية، وقيل حينها: إن مروان عبد الله هو أبرز الوجوه المسرحية الصاعدة التي عبرت عن نفسها من خلال الفرصة التي وفرها لها المهرجان، وتمثلت في إطلاق مواهب الشباب لكي يأخذوا زمام المباردة ويقدموا أفضل ما عندهم من إبداعات.
بجانب مروان عبد الله برزت العديد من الوجوه التي تأسست من خلال دبي لمسرح الشباب ومنهم: الكاتب الطموح طلال محمود أيضاً، والذي عرضت بعض مسرحياته في مهرجان الشباب، حيث فازت مسرحيته (عمبر) بجائزة أفضل عمل متكامل في الدورة الثانية من مهرجان دبي لمسرح الشباب 2007، وحصل هو عنها على جائزة أفضل نص مسرحي في الدورة نفسها، كما حصل في الدورة الثالثة من المهرجان على جائزة أفضل عمل متكامل عن نص المسرحية.
في ذاكرة مهرجان دبي لمسرح الشباب، عدد من الندوات التطبيقية، التي سلطت الضوء على إيجابيات وسلبيات بعض العروض، وفي ذاكرته أسماء لامعة من المؤسسين من فنانين ونقاد وإداريين مثل: يحيى الحاج، إسماعيل عبدالله، د. يوسف عيدابي، عبدالله صالح، محمود أبو العباس، أحمد الانصاري، إبراهيم سالم، وكذلك عمر غباش الذي كرم في دورته السابعة بجائزة الشخصية المسرحية للمهرجان لدوره المؤثر في القطاع المسرحي وتطويره وازدهاره، وعمر غباش مؤلف من جيل المؤسسين، مارس بجانب الكتابة التمثيل والإخراج، وهو من داعمي المواهب المسرحية، ومؤسسي المهرجان.
الترجمة الفورية للعروض إلى اللغة الإنجليزية، باتت واحدة من الميزات التي تؤكد قوة هذا المهرجان وحرص لجنته المنظمة على توسيع دائرة جمهوره، ليشمل الجاليات غير العربية، وهو أحد المهرجانات التي تعنى بقضايا الشباب الراهنة، وفي ذاكرته العديد من الندوات التي تتناول مثل هذه القضايا منها مثلاً: «الشباب مستقبل المسرح في الإمارات» و«التأهيل والدراسة الأكاديمية» و«مسرح الشباب وقضاياه الراهنة» و«التجارب الإخراجية الشبابية في تعاملها مع القضايا الراهنة» ناهيك عن «دراسة النقد في مسرح الشباب»، و«علاقة الإعلام بمسرح الشباب» وكل ذلك يأتي في إطار البحث عن مخارج لتنمية قدرات الجيل المسرحي الشاب، لكي يتمكن من أدواته والبحث عن متخصصين أكفاء.
في شهر أغسطس/ آب من العام الجاري نظمت هيئة دبي للثقافة والفنون جلسة حوارية مع رؤساء الفرق المسرحية المشاركة في الدورة التاسعة من المهرجان بغرض البحث عن أساليب جديدة للتعبير الفني، وكانت مناسبة لطرح العديد من الآراء والموضوعات التي تشغل الفرق المسرحية، التي ستشارك في هذه الدورة، والبحث عن أفضل السبل للارتقاء بأعمالهم، كان النقاش مهما لجهة تطوير المسرح الشبابي في الإمارات، لتفعيل سبل الحوار البنّاء مع هذه الفرق، ورفدهم بالمعلومات والتجارب اللازمة لتقديم أفضل العروض المسرحية شكلاً ومضموناً.
حضر الجلسة ممثلون عن الفرق المشاركة في الدورة التاسعة في المهرجان، كمسرح دبي الأهلي، ومسرح دبي الشعبي، ومسرح رأس الخيمة الوطني، ومسرح خورفكان للفنون، والمسرح الحديث، ومسرح عيال زايد، ومسرح بني ياس، ومسرح دبا الحصن، ومسرح الشباب والفنون.







