“الثالث” تنهض على مسرح الحوار والأداء الواقعي

تواصلت فعاليات مهرجان أيام الشارقة المسرحية حيث قدمت فرقة مسرح دبي الشعبي مساء أمس الأول في معهد الشارقة للفنون المسرحية عرض الثالث تأليف وإخراج عبدالله صالح، وأداء ابراهيم أستاذي في دور الأول، ورائد دالاتي في دور الثاني ورامز دالاتي في دور الأسير .
جاء العرض ليتناول واحدة من أكثر القضايا إشكالية خلال العقد الأخير في العالم، وخاصة بعد أحداث سبتمبر/ أيلول ،2001 وهي اتهام العرب المقيمين في الغرب بالإرهاب، وإحساسهم بأن الغرب يجهل تاريخهم الحضاري والإنساني .
تشكل محطة القطار مكان الحدث في العرض، ونرى الطالب رشيد بملامحه العربية وقد وضع الكوفية فوق كتفيه وهو يحاول أن يلحق بالقطار في الوقت المحدد لوصوله إلى المحطة، لكن رشيد يصل متأخراً كالعادة كما يقول، ويضطر لانتظار القطار التالي، وفي هذه الأثناء نبدأ بالتعرف إلى رشيد وهو يسرد لنا معاناته من السكن بعيداً عن الجامعة، وتأخره الدائم عنها، ويلمح إلى أن هناك شيئا ما قد تغير في المجتمع الذي يعيش فيه، خاصة في نظرة المجتمع إليه، وفي هذه الأثناء يأتي الثاني وهو رجل أنيق يعمل في التجارة، ويبدأ هنا التعارف بين الأثنين، ويسرد الشاب الأوروبي قصصا من حياته لرشيد، ويبدأ رشيد بالتحدث بدوره عن حياته كطالب جامعي من أصول عربية، وهنا يشعر الثاني الأوروبي بالخوف من رشيد، وتتصاعد الأمور بينهما، ويتهم الثاني رشيد بانتمائه إلى بلدان تصدر الإرهاب إلى العالم، ويفشل رشيد في إقناعه بأن العرب هم أصحاب حضارة، ويشعر رشيد بالغضب، ويقوم بداية بممازحة الثاني وإخافته، لكن الأمور تخرج عن السيطرة، وتظهر انفعالات رشيد ضد التمييز الذي يتعامل به الغرب مع العرب المهاجرين، ويقوم بتقييد الثاني الذي يحاول رشوته، ويفشل، ويستغيث بعدها بالشرطة التي تأتي وتحاصر المكان، وتفك أسر الثاني، وعندها تتم حالة إعتام على المسرح فنجد رشيد وهو نائم في المحطة، ما يوحي بأن كل ما حدث كان حلماً، من ثم يأتي الثاني ويجلس إلى جانب رشيد الذي يبدأ بالتحدث إليه، لكنه يخبر رشيد بأنه أصم لا يسمع، ومن ثم يأخذ الثلج بالتساقط وينتهي العرض .
يبدو العرض قائما على الحوار بشكل أساسي، حيث يغيب الفعل الحركي من قبل الممثلين إلا في ما ندر، والحوار هنا يتجاوز في دلالاته ضرورات الحوار المسرحي إلى ضرورات الحوار الحضاري بين العرب والغرب، وفي الكثير من المونولوجات التي يجريها رشيد بينه وبين نفسه تتكشف هواجس المهاجرين العرب، كما تتكشف قوة الدعاية الغربية التي حولت العربي إلى إرهابي شاطبة إرثه الحضاري والإنساني، أما ختام المسرحية فيكشف عن صمم الآخر وعدم رغبته في الحوار، وتالياً عدم رغبته في الاطلاع على حقائق الأمور .
إخراجياً بدا أن خيار عبدالله صالح ذهب تجاه الاستفادة من دلالات المكان، وهو المحطة، وكل ما تشي به من حالة انتظار، ومن استدعاء لمشاعر القلق، واعتمد على قدرات الممثلين في إيصال فكرة العرض، وهكذا فإن السينوغرافيا نفسها أتت لتخدم هذا الخيار الإخراجي بعيداً عن استخدامات جمالية غير مطلوبة قد تشكل عبئاً على العرض .
من ناحية الأداء قدم الممثلون عرضاً منضبطاً إلى حدود كبيرة ضمن سياق الفكرة الأساسية، ولم يتم اللجوء إلى أية مبالغات انفعالية، وهو ما قرب العرض إلى الواقعية في الأداء، ويبدو هذا الأمر طبيعيا قياسا إلى طبيعة الفكرة نفسها .
أعقبت العرض ندوة تطبيقية حضرها عبدالله صالح مؤلف ومخرج العرض، وأدارها السيد السر من السودان، وقد عقب معظم المتداخلين على أهمية الفكرة الرئيسية للعرض، ورأى البعض أن استخدام الحلم في نهاية العرض لم تكن في مصلحته، أما البعض الآخر فرأى أن تقنية الحلم دعمت خاتمة العرض لأن المطلوب كان تسليط الضوء على هواجس الشخصية الرئيسة، وتحدث بعض المشاركين حول أهمية العرض لكونه يسهم قي طرح قضايا تتجاوز المحلية إلى الفضاء العربي والعالمي، كما أنها تشكل منصة للبوح حول هواجس مكبوتة لدى فئات كثيرة من الطلبة العرب أو المهاجرين في الغرب نتيجة لتماسهم المباشر مع المجتمع هناك .
وفي مداخلات البعض تمت الإشادة بقدرات المخرج على استخدام فضاء المكان انطلاقاً من وعيه بطبيعة العمل المسرحي الذي يقوم على المونولوج والحوار، وميله إلى استخدامات مكثفة للسينوغرافيا متناغمة مع فكرة العرض الرئيسة .
“الثالث” تنهض على مسرح الحوار والأداء الواقعي | صحيفة الخليج







