مسرحيته «ولد فقر طايح في نعمة» باكورة أعمال «دبي الشعبي»
البيان
أجزم أن عدداً من شباب المسرح في الامارات، لم يتعرف على مجموعة مبدعين حيويين من الجيل المؤسس، ومن بينهم الفنان الراحل اسماعيل محمد. إذ كان هؤلاء أصحاب سبق وريادة في بناء قاعدة ولبنات المسرح المحلي، وقدموا وأعطوا دون توقف، كما غادرونا بهدوء تام، مثلما كان وجودهم المتسم بوفرة زخم الانتاج والتفاني في العمل، دون أي صخب أو ضوضاء، وبمنأى عن أضواء الإعلام وضجيج التصريحات والاستعراضات.
لكن، محال ان تغيّبهم ذاكرة الابداع، حتى ولو أنهم يقبعون راهنا، في دائرة النسيان، فآثارهم ومجهوداتهم لا تزال تدلل عليهم، إلا أننا نحتاج فعليا، الى تعريف الجيل الجديد بهم، والاضاءة على تقاصيل ما قدموه وانجزوه.
الفنان إسماعيل محمد واحد من أبرز المبدعين الذين نسيهم أهل المسرح، بل لم يعد يذكره الفرسان الجدد في مسرح دبي الشعبي، على الرغم من أنه كان مؤسساً ومعلماً وفناناً زامل خادم سرور وعاصر شتى مراحل عمله وعطاءاته.
دور مؤسس
أخرج اسماعيل محمد، أول مسرحية، وهي عدت باكورة الاعمال في مسرح دبي الشعبي: (ولد فقر طايح في نعمة) في عام 1977. وكانت هذه المسرحية المحطة الأولى لفرقة “دبي الشعبي”، وكثيرا ما يشار اليها ويجري الحديث عنها، ولكن دون أن يذكر من كان يقف بين الكواليس في عملية انجازها والاعداد لها.
وكان محمد، أساس نجاح تلك المسرحية، وكذا ركيزة تميز أعمال فرقة” دبي الشعبي”، علاوة على دوره المهم في الاسهام الحيوي، وعبر مثابرته اليومية، في صوغ لبنات تألق مسرح دبي الشعبي وبناء دعائم نهوضه وريادته، إضافة إلى رعايته المتميزة لشباب المسرح، أمثال: عادل إبراهيم، سعيد عبد العزيز، محمد سعيد، عبد الله صالح، سميرة أحمد. وأيضا كثر غير هؤلاء، من المبرزين في مسرح دبي الشعبي، بل في المسرح الإماراتي بوجه عام.
وبعد أن قدم العمل الأول لمسرح دبي الشعبي بتوقيعه، لم يتوقف اسماعيل محمد او يركن لمستوى نجاح ما، فحرص على المبادرة إلى المباشرة بإنجاز مسرحية “المصفوع ما ينسى” عام 1978، وأعقب ذلك عرض “درس من هذا الزمن”، والذي تعاون فيه مع خميس سعيد، وذلك في عام .
طبعا، لا يقاس جهد وتميز الراحل اسماعيل محمد، بعدد المسرحيات التي أخرجها أو كتبها، إنما في الإنجاز الذي حققه مع الشباب، في تشكيل البنية التحتية للمسرح الاماراتي، ولمسرح دبي الشعبي خاصة، والذي ينظر إلى فرقته الآن، على انها من بين أبرز الفرق المسرحية العاملة، وذلك منذ تأسيس” دبي الشعبي”، والى الوقت الحالي، وقد اختطت لها منهجاً شعبياً فريدا متمايزاً، منذ البداية.
معلم ومرب
كان إسماعيل محمد، أستاذاً بكل ما للكلمة من معنى. فطالما جسد دور المخرج المسرحي المربي والمثقف. ولذا كان معلماً مهما في المسرح وفي المؤسسة التربوية، أكثر من ما كان مخرجاً أو رجل مسرح، وهذا ما كان مطلوبا خلال سنوات التأسيس الأولى في مسرح الإمارات. فلم يكن العاملون في المسرح عموماً، قد تخرجوا من معاهد أو أكاديميات مسرحية.
وأيضا لم تكن الثقافة المسرحية قد تغلغلت في الوسط المسرحي. وفي تسجيل خاص، يقول محمد عبد الله، في هذا الخصوص، إنه حين طرح إبراهيم جلال مسمى ومفهوم “بريشت” للمرة الاولى، على مسامعهم، استغربوا مثل هذه الطروحات. وكان “بريشت” غريباً عن تجربتهم التي شكلت البدايات، إلا أننا اليـــوم أمام شريحة متخصصة في علم المسرح وفنونـــه، كما أن الغالبيـــة من العاملين في المسرح هم خريجو تخصصات مختلفة، ويملكون ثقافة ذات مستوى عال.
حرص ومنهج
مسيرة عطاء مسرح دبي الشعبي طويلة بامتداد الزمن الذي تجاوز العقود الثلاثة، وخلال هذه المسيرة كانت هناك محطات متنوعة، وتعاقبت على الفريق العامل، مجموعة من الفنانين الذين خدموا مرحلتهم وأثروها. وكذا قدموا ما بوسعهم من العمـــل المثمر، وتفـــاوتت هذه الجهود، بحكم وافرازات ما أملته تلك الحقبة من ظروف، ساعدت أو لم تفعل، على أن يستكمل كل دورة تميز اعماله، في كل مرحلة.
وكان اللافت في هذا الخضم، حرص إسماعيل محمد، والذي لم يتخلف، انذاك عن ان يبقى في مقدمة من يبذلون طاقات كبيرة في العمل، من خلف الكوليس، على الانشغال بتأدية مهامه والقيـــام بمسؤولياته على أكمل وجه وأفضله، دون أن يعير اهتمامــا لجوانـــب الظهـــور في بؤرة الضوء.
أمين لموقعه ومؤثر
لعلي أجزم أن أفضل من يمثل هذا الجيل هو الفنان الراحل إسماعيل محمد، والذي عاصر مسرح دبي الشعبي قبل سنوات تأسيسه الأولى، وظل أميناً لموقعه في مسيرة المسرح الطويلة، فبقي أستاذاً مؤثراً وفناناً طموحاً، وإنساناً ربما لا يوجد الزمن بديلا عنه.
ويقول عنه الفنان عبد الله صالح:
“كان إسماعيل رجلا مؤثرا ومثقفا ومتعلما وعنده بعد ورؤية ترتبط بفترته الزمنية، وأحد الأشخاص الذين منحونا التفاؤل.. كان يشجعنا دائماً، ولم نشعر يوما من الأيام أنه مدير مدرسة، كان يتعامل معنا بود ومحبة كصديق لنا، يمازحنا ويضحك معنا. وبحكم أنه ممثل ومخرج ورئيس مجلس إدارة”.
ويضيف صالح:” كانت تربطنا به ( يقصد اسماعيل محمد) علاقة قوية، وعندما انتقل إلى رحمة ربه، ترك فراغاً كبيراً في مسرح دبي الشعبي، ومهما تحدثنا عنه فلن نوفيه حقه، فهو مؤثر جداً ومن القلائل الذين حزنت على رحيلهم، مع أبي وأمي، بكيت كثيراً جراء الحادث الأليم الذي تعرض له هو وأهله.
كان يكتب ويخرج ويشرف على العديد من الأعمال المسرحية، والفترة التي عاصرته فيها بدأ يتوجه إلى التمثيل. وأذكر أنه لعب دور الجدي في مسرحية (التوبة هالمرة)”.
رجل مثقف
لم يكن إسماعيل محمد عضواً عادياً في مسرح دبي الشعبي.. كان لاعباً فاعلاً كمثقف نادر في تلك الفترة العصيبة من الزمن، إضافة إلى تحمله للمسؤوليات الإدارية وتفاعله على الخشبة، ممثلاً ومخرجاً ومرشداً، ويتحدث يوسف يعقوب عن سماته الابداعية والشخصية:
“إسماعيل رجل مثقف.. أكثر شخص مثقف بالمجموعة، لأنه كان خريج دبلوم معلمين، كان تربوياً ومدرساً مما جعله مميزاً وقياديا، كان أحد الفنانين الرواد ومؤسسا للدراما التلفزيونية، وله أثر بالغ في توجيه الشباب بصرف النظر عن وجود خادم سرور، فإسماعيل هو المحور الأساسي لتحريك الشباب داخل المسرح”.
يجمع كل من عاصر إسماعيل محمد، على تميزه الثقافي والأخلاقي والفني، فكأنه بقي يقبع وسط مثلث متساوي الأضلاع، كل ضلع فيه يكمل الآخر.. وهو رائد مرحلة مهمة في تاريخ مسرح دبي الشعبي، أثر خلالها بالشباب العاملين فيه بشكل ايجابي خلاق. وكان محركاً فاعلاً وأساسياً في هذا السياق. ونجد، بالتالي، ان لا أحد من منتسبي مسرح دبي الشعبي ينسى الراحل إسماعيل محمد.
ودوره التأسيسي التنويري.. وتقول عنه الفنانة سميرة أحمد، في مجمل ذكرياتها عن مسرح دبي الشعبي : “إسماعيل محمد لم يكن مخرجاً فحسب، كان ناظر مدرسة، إسماعيل من الأسماء التي لا أقدر على نسيانها، فوعيه وحبه للمسرح كانا الدافع الأساسي لديه”.لم يقتصر دور إسماعيل محمد على كونه مسرحيا فقط، إنما كان معلماً للفن، وأستاذا لفن لمسرح الشباب الذين كانوا يحلمون بالمسرح، فناً وهواية،.
وقد أثر بطلابه في المدرسة لدفعهم إلى خشبة المسرح الكبير، ومن هؤلاء الطلاب: سعيد عبد العزيز الذي يتحدث عنه بحميمية وتاثر، كونه أستاذه ضمن مجالين المدرسة والمسرح معاً، ويحكي عبد العزيز عن محمد: “كان مدرّسي.
وكان يشجعني باستمرار..استفدت منه كثيراً، فقد كان وكيلاً للمدرسة التي كنت أتعلم فيها، كان طيب القلب، واستفادتي منه في المدرسة والمسرح كبيرة، وهو الذي دفعني إلى الانخراط في المسرح..لم أكن أعرف أي شيء عن الإخراج والمسرح، وهو الذي علمني مبادئ العمل المسرحي، وسلحني بالشجاعة في مواجهة الجمهور”.
تميز
إن الشهادات التي يمكن الاستعانة بها لمعرفة دور الفنان الراحل إسماعيل محمد وشخصيته، تلتقي جمعيها عند تميز الراحل، حتى وإن اختلفت في بعض جملها وتوجهاتها وظروف الاجتماع بالراحل والتعرف اليه عن كثب، إلا أن الإجماع الذي حصل بين مختلف الافراد من اصحاب الشهادات تلك، يتمثل في التاكيد على تميز إسماعيل محمد ودوره الاستثنائي.
وأهميته في مرحلة التأسيس. وفي هذا الصدد يقول عادل إبراهيم: “أما الشخصية الرائدة الأخرى في تاريخ مسرح دبي الشعبي، بعد خادم سرور، فهو المرحوم إسماعيل الذي كان أستاذاً ومخرجاً تلفزيونياً، عرف في الكويت أكثر من كونه مخرجاً مسرحياً، وهو ليس أكاديمياً، انما هو دؤوب ومؤسس وله خبرة جيدة ويمثل مرحلته، مما ساعدنا على تأسيس الفرقة في بدايات العمل”.
فرسان التأسيس
تكرر الحديث عن إسماعيل محمد، وهو أحد فرسان فترة التأسيس لمسرح دبي الشعبي، إلا أننا لابد أن نذكر في هذا الاتجاه، عدداً من الذين ساهموا بارتقائه ورفعة مكانته، بصمت وبعيدا عن الأضواء أو أحياناً في بؤرتها، وإذا ما كنا قد ذكرنا بعض الشهادات عن إسماعيل محمد، ذلك لأنه النموذج الذي أعطى بصمت ورحل. ولابد من تقييم دورة وفترته، والتي هي تكريم وتذكير بفترة تلك الشخصيات التي منحت مسرح دبي الشعبي جهدها ووقتها، دون مقابل وبصمت، ومن هؤلاء بعض الفرسان الذين أثروا بالفعل، مسيرة مسرح دبي الشعبي، مثل:
– إبراهيم أبو ملحة، مستشار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم للشؤون الثقافية والانسانية. والذي يعد أحد مؤسسي “دبي الشعبي”، ولعب دوراً جوهريا في فترة التأسيس مع خادم سرور.
-المخرج عبد اللطيف القرقاوي.
-الأستاذ الفاضل صالح بو حميد، أحد المؤسسين لجمعية دبي للفنون الشعبية.
-الأستاذ خميس سعيد، أحد مؤسسي جمعية دبي للفنون الشعبية، ورئيس مجلس الإدارة لعدة دورات.
المخرج محسن محمد، الذي عاصر الفرقة في الثمانينيات من القرن الماضي.
الفنان داوود حسين، ملح الكوميديا الذي يلبي دعوة مسرح دبي الشعبي عندما يحتاجون إليه.
الفنان عبد العزيز النمش، رائد المسرح “رحمه الله”.
الإعلامي الرياضي محمد الجوكر.
الفنان فؤاد عبيد.
الملحن إبراهيم جمعة.
الأستاذ عبد الرحمن شفيع.
الفنان ضاعن جمعة.
العبد الفقير ( عبد الإله عبد القادر).
ضد النسيان
إن ذكر هذه الأسماء والأعلام في الحياة الثقافية، وهم شريحة مختصرة من قاعدة عريضة من المؤثرين والمؤسسين لهذا المسرح أو الحركة المسرحية عموماً، لأمر يهدف الى التأكيد على دور كل واحد منهم في هذه المسيرة الطويلة لمسرح دبي الشعبي، ولحركة المسرح في الإمارات، ونحن على يقين بأن كل شخصية بذلت ما بوسعها في ظروفها المحيطة بها، وضمن الزمن الذي مثلته.
ونحن ندرك ايضاً مبدأ التفاوت في العطاء، في ظل جميع مكونات المسيرة، إلا أن ما يهمنا هو المحصلة النهائية التي وصلت إليها فرقة مسرح دبي الشعبي، والدور الذي لعبه المسرح طيلة ثلاثة عقود ونيف، وهو ما جعلها واحدة من أهم الفرق العاملة في الدولة وأبرزها.
هذه محاولة لإعادة الأضواء من خلال ذكر هذه الشخصيات، على دور مجموعة مبدعين رياديين، وكذلك بقصد أن نعيد للفرق ذاكرتها ونقيها من النسيان، لأنني أعتقد أننا لا بد أن نعتز بدور هؤلاء وسنوات عطائهم، وأنا أذكر بكل احترام إسماعيل محمد ومواقفه إلى جانبي، عندما كنت أعمل مع هذا الفريق.
مؤكدا أننا بحاجة ماسة إلى مشروعات عمل ثقافية ممنهجة، لتنشيط الذاكرة، غاية أن نعيد هؤلاء الفرسان الذين ترجلوا، إلى دائرة التقدير وإحياء الذكرى والاعتراف لهم بدورهم الكبير .
إننا لا نقلل من أهمية دور ومساعي الشخصيات الرئيسية في مسرح دبي الشعبي، إنما نذكر هنا أسماء كثيرة، غابت عن الأضواء أو انطفأ ضوؤها أو انحسرت في زاوية بعيدة عن البيت المسرحي.
عبدالإله عبدالقادر
الأحد، 27/5/2012 2:00 ص







