مسرحية «الثالث» تخوض غمار التقلبات السياسية

انعطافة درامية لا تخلو من الأسئلة

البيان

شكلت مسرحية (الثالث) التي عرضت مساء أول من أمس، على مسرح معهد الشارقة للفنون المسرحية في اليوم الرابع من الدورة الـ‬21 من مهرجان أيام الشارقة المسرحية، انعطافة حادة في المواضيع التي تمت معالجتها حتى الآن في هذه التظاهرة المسرحية المتواصلة حتى ‬27 مارس الجاري، فهي تلقي الضوء عبر جماليات السرد البصري وتقنياته على غمار التقلبات السياسية، والقضايا ذات حساسية خاصة بالرغم من تكرارها، إلا أنها تبقى ضمن الأسئلة المركزية التي تواجهها الانسانية.

أسلوب واقعي

الحوار مع الآخر عموما، وما بعد ‬11 سبتمبر خصوصا، هو قضية هذا العمل، حيث يعرضها مؤلف ومخرج العمل الفنان الإماراتي عبد الله صالح بأسلوب واقعي مستعينا بفرقة مسرح دبي الشعبي، من خلال تجربة درامية تستعرض جانبا من حياة طالب مسلم يدعى رشيد، يتجاذبه البرد ومشاعر الغربة والحنين، يدرس في إحدى الدول الغربية، حيث يفوته القطار في محطة تتطور فيها أحداث المسرحية كلها، إذ يتشارك مع شاب غربي المقعد الذي يتوسط المحطة التي يظهر فيها شخصان آخران، أحدهما يعزف على عود والآخر على غيتار. وأثناء الانتظار ينام رشيد ويحلم بمواجهة بينه وبين شريكه في المقعد، فيتحاوران ثم يتبادلان اتهامات تقليدية تحمل الدول الغربية مسؤولية شقاء الشرق، بينما الشاب الغربي يتهم رشيد بالإرهاب. ويستيقظ رشيد على صوت عيار ناري أطلقه على نفسه منتحرا في الحلم، ليكتشف أن الشاب الغربي أخرس وأبكم فيطلق صرخته قائلا أن لا حوار ولا نقاش أصلا مع شخص لا يسمع ولا يتكلم، ما ترك العمل مفتوحا على تأويلات وأسئلة متنوعة وربما متناقضة حول دلالات هذه النهاية الدرامية.

من الناحية النقدية، (الثالث) عمل مسرحي يميل إلى المينودراما، أخذا في الاعتبار أن الحوار فيه هو نوع من المونولوج الداخلي الذي يعالج هواجس تعتري ذهن بطل العمل، أما من الناحية الفنية، فإن عناصر الفرجة التي اعتمدها صالح في عمله هذا، من ديكور وملابس وإضاءة وسينوغرافيا، تتسم بالموضوعية والرشاقة، فلقد تمكن من تحريك تلك العناصر بلباقة فنية رفيعة، ما ساعد على إظهار فكرة العمل بوضوح، التي تعرض بلغة فصحى دققها الشاعر الإماراتي محمود نور.

رؤى تحليلية

الندوة التطبيقية أدارها الفنان السر السيد وشارك فيها صالح، فتحت شهية الحضور من نقاد وأكاديميين ومسرحيين، على الحوار وتبادل الآراء، التي أثنت بمجملها على العرض، معتبرة أن طرح قضية سياسية راهنة أمر مهم، لكن الأهم هو كيف عرض المخرج لتلك المشكلة دون أن يقع في الخطابية، ومع المحافظة على التسلسل الدرامي المتصاعد للعمل، الذي رأى البعض أنه يعالج منطقين متقابلين، الغربي بسطوته ومنطق المدافع عن نفسه، لكن ثمة مآخذ طرحت في الندوة أيضا، على غرار أن العمل يطرح قضية الحوار مع الآخر دون أن يرى المتلقي ذلك الحوار، الأمر الذي يمكن أخذه على محمل أن العمل برمته يقوم على هواجس رشيد نفسه. كما رأى البعض أن المسرح الإماراتي عبر بهذه المسرحية إلى مستوى الممارسة المسرحية المحترفة، وتمكن من تجسيد ثلاثية الخشبة؛ العلاقات بين الممثلين وتطور الحدث والحركة في فضائه. وأوضح صالح أنه لا ضير في تعدد التأويلات، منوها إلى أن المخرج يخرج على النص أحيانا ويعدل عليه أثناء البروفات، لكنه نفى فكرة أن عمله ينطوي على إدانة للعرب، مؤكدا أن القضية تتعلق بالإجابة عن سؤال: لماذا ينظر الغرب إلينا بصورة نمطية لا تتعدى الخيمة؟.

جدل

ناقش الملتقى الفكري المصاحب لأيام الشارقة المسرحية ضرورة الانفتاح على المسرح العالمي، حيث أكد الشاعر اللبناني عبده وازن ضرورة ابتكار أساليب وتقنيات مسرحية جديدة قادرة على تجديد المسرح العربي والمسرح الإماراتي، وإعادة اللحمة بينه، وأعرب وازن عن تفاؤله بولادة مسرح جديد شاب في الوطن العربي، داعيا إلى الابتعاد عن استخدام مصطلح المسرح التجريبي، لأن كل مسرح في العالم هو مسرح تجريبي، كما نوه إلى اللحظة الراهنة التي يعيشها العرب، وما يتخللها من ثورات وقال إنها لحظة مهمة علينا الانصات لها ومتابعتها، بحيث لا تكون أعمالنا مجرد رد عليها بل يجب أن نستوعبها. وشبه هذه اللحظة بسقوط ديكتاتوريات ومنظومات بائدة ويجب قراءتها على نحو جيد، بينما اعتبر المسرح الإماراتي منعزلا عن محيطه.

وبدوره، الأديب الدكتور عبد الإله عبد القادر أوضح أن المسرح في الإمارات اتسم منذ الستينيات بالتغيير الذي ارتبط بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية في الإمارات، موضحا أن ظهور النفط قد تم في هذا العقد من الزمن، لكن الدولة ومؤسساتها ظهرت في السبعينيات، وظهرت معها البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية كافة. كما ظهرت المدينة الحديثة وظهرت معها مناحي الحياة الثقافية والدب والمسرح. وضرب مثالاً على ذلك مهرجان طيران الإمارات للآداب وانتقال المسرح المحلي إلى مرحلة الاحتراف، من خلال الكثير من الأعمال المسرحية، مثل (باب البراحة) و(حبة رمل)، ومن خلال أسماء شابة لمع نجمها في عالم المسرح، مثل محمد صالح ومحمد العامري.

تكريم ضيوف الأيام

كرمت اللجنة العليا لأيام الشارقة المسرحية (الدورة ‬21)، الضيوف والفرق المسرحية وممثلي أجهزة الإعلام، وذلك في ببيت النابودة، وألقى إسماعيل عبد الله الأمين العام للهيئة العربية للمسرح، رئيس جمعية المسرحيين في الدولة، كلمة ترحيبية بالحضور، وقام عبدالله العويس رئيس دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة- رئيس اللجنة العليا المنظمة لأيام الشارقة المسرحية، وأحمد بورحيمة مدير مهرجان أيام الشارقة المسرحية، بتوزيع شهادات التقدير والدروع التكريمية لضيوف المهرجان والفرق المسرحية المشاركة فيه.

الثلاثاء، 22/3/2011 4:02 ص

مسرحية «الثالث» تخوض غمار التقلبات السياسية

شارك الخبر :