جماليات إماراتية

العرجون القديم.. السينوغرافيا تلهب الصراع الدرامي

عثمان حسن

يظل المسرح النافذة المشرعة على المعرفة، وحاضناً لكل أشكال الثقافة المعروفة سواء المقروءة أو المسموعة، وتبقى خشبته، مضيئة بأعمال مميزة، بوصفه ساحة لكل أشكال التجريب الفني، ومن خلاله تطرح الكثير من القضايا والهواجس التي تلامس هموم الإنسان.
«العرجون القديم» واحدة من المسرحيات المتميزة من تأليف وإخراج الفنان الإماراتي علي جمال، ومن إنتاج مسرح دبي الشعبي، شاركت في الدورة التاسعة والعشرين من أيام الشارقة المسرحية في العام 2019.
المسرحية من بطولة: بدور محمد، ريم الفيصل، حمد الحمادي، فؤاد القحطاني، أمل حسن، وموسى عبد الله، وفازت بجائزتين هما: أفضل ديكور وذهبت لمؤلف ومخرج العمل علي جمال، وأيضاً جائزة أفضل إضاءة وذهبت للفنان علي خدوم.
تناقش «العرجون القديم» قضية المرأة، ورغم أنها مسألة سبق وتم طرحها في أيام الشارقة المسرحية، إلا أن تناولها في هذا العرض كان مختلفاً، فقد عالجها علي جمال بوصفها قضية ليست مفصولة عن قضية الرجل، فهما (الرجل والمرأة) من يعيشان ذات الظروف والتحولات المجتمعية، ويتأثران بإيجابيات وسلبيات البيئة التي يعيشانها، في زمان ومكان محددين، ما يعني أن اضطهاد الرجل للمرأة وما اصطلح على تسميته بـ«الهيمنة الذكورية» هو في الواقع ليس شيئاً أصيلاً من جهة التصاقه بالرجل، بل هو نتاج مؤثر، وسبب قوي وضاغط من المجتمع على الرجل، وهو ليس أكثر من ردة فعل، وسلوك ليس مبرراً بكل تأكيد، يجب أن يعالج كقضية تحتاج إلى تحليل عميق لمعرفة الدوافع الحقيقية لمثل هذه التصرفات التي فرضتها ثقافة المجتمع، وهي فكرة متقدمة يطرحها العرض، ويجب أن تعالج في ضوء قراءات نفسية وسيكولوجية، فالهيمنة الذكورية أيضاً، قد تكون نتاج حالة من عدم الوعي من قبل الرجل، ما ينفي أن يكون مثل هذا التصرف تصرفاً أصيلاً ونابعاً من تعمد أو قصدية مبيتة من قبل الرجل.

*حدوتة


(سلمى) و(هند) شقيقتان تعيشان مشكلة اضطهاد نفسي، سلمى تحمل كراهية شديدة للرجال بشكل عام، ولوالدها بخاصة، فيما أختها هند، محملة بكراهية وبغض نحو والدتها، تخطط سلمى لرحلة مع أختها هند لمغادرة المكان الذي عاشتا فيه إلى آخر فيه قليل من الذكريات الموجعة. البنتان تظهران في العرض شاحبتان، بملامح قاسية من التعب والإرهاق والأسى، ما ينعكس في طبيعة الحوار بين الأختين، تعاتب هند أختها الكبرى سلمى على حجم الضغينة التي تكنها لوالدها، الذي تحبه هند كثيراً، وتنظر نحو بطن سلمى التي تبدو حبلى، وتعاتبها مرة أخرى على طلاقها من زوجها، وتلقي بمسؤولية طلاقها على عاتق سلمى التي تكره الرجال، فترد عليها سلمى بقسوة: الرجال هم سبب كل المآسي في العالم، وأنها إنما خططت لجلب هند في هذه الرحلة بعيداً عن ديارها لتحميها، وتحمي نفسها من أعين الرجال بعد أن فقدا عائلتهما.
بتوالي فصول العرض، تتكشف الكثير من الحقائق، بعد ظهور رجل غريب «محمود» يود أن يرافق الأختين في الرحلة، تقابله سلمى بذات القدر من كراهيتها للرجال، وسط دهشة الشاب الذي يخبرهما بأنه يبحث عن زوجته الضائعة، وأنه لا ينوي شراً نحو أي منهما، وهنا، تثور ثائرة سلمى، وتتهمه بأنه السبب في هروب زوجته منه. تتدخل هند وتحاول أن توضح لأختها أن الرجال ليسوا أشراراً بالمطلق، لم تعر سلمى انتباهاً لقول أختها، وقبلت على مضض أن يرافقهما الرجل في رحلتهما تلك.
ورويدا رويدا، تبدأ تتكشف حقائق أخرى، فيتضح أن كره سلمى للرجال منبعه حادثة تحرش تعرضت لها من قبل رجل، فقامت بقتله، وأن زوجها لم يعد يحتمل قسوة تصرفاتها نحوه فقام بتطليقها تبعاً لذلك، وأكثر من ذلك، فقد كانت سلمى هي سبب مقتل والدهما الذي اعتاد أن يضرب والدتهما أمامهما، بعد أن أغضبته سلمى فوقع ميتاً من شدة التأثر، أما هند، فيأتي دورها لتخبر سلمى أنها رافقتها في الرحلة لكي تلتقي بمحمود وأنهما (هند ومحمود) سبق أن تواعدا ليلتقيا، فهما يعيشان قصة حب، كما تكشف هند عن واقعة مصرع والدتهما، بعد أن تأخرت في تقديم الدواء لها، وندمت على ذلك الفعل، يتدخل محمود في الحوار ليتهم سلمى بأن الطفل الذي تحمله هو ابن ذلك الرجل الغريب الذي قامت بقتله، وهو سبب كراهيتها لوالدها وللرجال جميعاً، تدخل سلمى في صمت رهيب فيما تسألها هند بصورة هستيرية عن حقيقة هذا الأمر، ويقفل الستار.

*ثناء


عالج علي جمال عمله بكل حرفية، خاصة لجهة توظيف سينوغرافيا مبهرة، كما نجحت الإضاءة التي قدمت تشكيلات بصرية وجمالية آسرة، بالإضافة إلى عناصر الديكور والموسيقى خاصة في المشهد الختامي، في تقديم فرجة مسرحية ناجحة استحقت انتباه وتفاعل الجمهور، وهناك أيضاً الأداء المتميز للممثلين غير الرئيسيين خاصة محركي قطع الديكور، ناهيك عما شكلته المشاهد والتكوينات الدرامية والبقع الضوئية من دور في كشف الحالات النفسية للممثلين، ما يعني أن علي جمال قد أدار كافة تفاصيل هذا العرض متخففاً من عبء الكلام أو الحوار بين الشخصيات، أو بطريقة أصح، ألقى بحمولة النص على عاتق السينوغرافيا التي نجحت في تقديم عرض متوهج ومختلف، استكمل من خلال حرفية الأداء في الشخصيات الرئيسية في العرض، لتكتمل الجملة الدرامية للعرض في لوحة أقل ما توصف بأنها لوحة درامية متميزة.

العرجون القديم.. السينوغرافيا تلهب الصراع الدرامي | صحيفة الخليج

شارك الخبر :