«فبركة» دبي الشعبـي.. تأويل مفتوح لنص مُغلق

دخل جمهور ثالث أيام مهرجان دبي لمسرح الشباب في دورته السادسة المنعقدة حالياً في «مسرح دبي الاجتماعي» في «مول الإمارات»، من دون أدنى فكرة عن المحتوى الدرامي للعمل الذي أنتجه «مسرح دبي الشعبي»، على الرغم من أن المخرج الشاب غانم ناصر ظل لنحو شهرين متتاليين مع فريق المسرحية في تمارين وبروفات مسرحية، إلا أن ما يدور داخل الخشبة ظل محصوراً بالفعل هناك، في حين انفتح «العنوان» الفضفاض على قائمة لا متناهية من الموضوعات، على رأسها أن تكون الصحافة صاحبة الجلالة هي محور اهتمام العمل.
نص الشاب محمود القطان وهو الثاني له ضمن «دبي للشباب»، بعد أن جمعتهما المشاركة الأولى لكليهما العام الماضي عبر مسرحية «ليلة حساب»، جاء مغايراً لتوقعات حتى من استمد أمنياته بالاستمتاع بجرعة خفيفة، ربما تلامس سقف الكوميديا، عبر وجوه وابتسامات الممثلين الأربعة على «البروشور» التعريفي للعمل، فضلاً عن حداثة سن المخرج والمؤلف، لتحيل المعالجة الدرامية إلى معنى آخر للفبركة، مرتبط ليس فقط بصناعة أخبار كاذبة، بل بنسج مفاهيم مغلوطة لا اساس لها من الصحة، يتخذها البعض وسيلة لإيقاع الفتن بمجتمعات آمنة، عبر تطرف فكري كارثي.
تأويلات
تكريم واجبقام مسرح دبي الشعبي قبل انطلاق العرض بتكريم الفنانة مريم سلطان، التي صفق لها الحضور طويلاً، قبل أن تتسلم شهادة وصفها الفنان عبدالله صالح بأنها «شهادة محبة» عمرها يناظر أعمار الكثير من الفنانين المخضرمين على المسرح. وأضاف صالح : «لم تقصر مع أي منا الفنانة مريم سلطان، فضلاً عن إخلاصها للجيل الشاب أيضاً»، مضيفاً «علمتنا الكثير من أولويات المسرح ومبادئه وفنونه، بحكة الفنان، وقلب الأم»، واصفاً التكريم المستحق بأنه «واجب ومستحق». لست كاتباًطالب كاتب النص الشاب محمود القطان، من يقف على تحليل «فبركة» ألا يقره كاتباً، بل يعتمده مبتدئاً وهاوياً يسعى إلى تطوير أدواته، مطالباً الجميع بالإجابة عن سؤال يشغله: «هل تطورت أدواتي بعد محاولتي الأولى العام الماضي عبر مسرحية (ليلة حساب)، أم أنني لا أزال أراوح مكاني» مؤكداً أن هذا السؤال سيعود ويطرحه عقب مشاركته العام المقبل أيضاً. «نص القطان كان بحاجة إلى تشذيب، لكنه تطور كثيراً قياساً بالعمل السابق، ويحمل بذرة خامة وموهبة جيدة تحتاج إليها ساحة الكتابة للمسرح الإماراتي» بحسب ممثلين ومتابعين للعملين معاً، والأهم من ذلك هو وجود شاب مشغول بالاجتهاد على نتاجه، حسب الفنان محمود ابوالعباس الذي أكد أن القطان من اكثر الشباب حرصاً على الاستفادة والتواصل مع كتاب مخضرمين.عودة ممثلالفنان الشاب حمد الحمادي الذي عرفه مهرجان دبي لمسرح الشباب سجل عودته في هذا المهرجان ممثلاً، في خطوة يزهد فيها كثير من الشباب الذين تغريهم المشاركة بشكل أكبر تحت مسمى مخرج، وهنا يسجل للحمادي أنه كان ملماً بمتطلبات الدور، على الرغم من مروره بمرحلتين نفسيتين مختلفين، احداهما في دور بائع البوظة البسيط خفيف الظل، وثانيتهما حينما كشف الوجه القبيح للمتطرفين فكرياً، الساعين إلى تدمير المجتمع وفق رؤى مغلوطة. خطوة الحمادي التي تنم عن نضج فني من المفترض أن تغري شباباً نجحوا بشكل أكبر في أدائهم التمثيلي، ما يعني أن التجارب الإخراجية التي يعتبرها البعض متعثرة قد تحجب مواهب قادرة على الإبداع بشكل أكبر في فن مسرحي آخر، لاسيما أن معظم المخرجين الشباب هم بالأساس ممثلون يمتلك الكثير منهم مواهب مقدرة.«العربية» أولاًالمسرحي يحيى الحاج أوقع المترجمين إلى الانجليزية في الندوة التطبيقية في حرج، وبتلقائيته فجّر أهمية وجود ميثاق شرف مسرحي لدعم استخدام مصطلحات عربية في أدبيات النقد المسرحي، على نحو استثمره مدير الندوة الفنان حسن رجب بخفة ظل، حينما طلب استخدام سماعة الترجمة للتعرف إلى مصطلحات الحاج الذي يصر على استخدام مصطلحات انجليزية في عبارات معروفة منها «الثقة الذاتية للفنان».الحضور الأجنبي الذي أثرى الندوة بمداخلات فنية وآراء نقدية فطن أيضاً إلى أن ثمة مفارقة تتعلق باللغة، حينما سمع المصطلح الانجليزي على لسان الحاج، وهي مفارقة لم تبتعد كثيراً عن أزمة اللغة العربية في المهرجان، على الرغم من توجيه هيئة دبي للثقافة والفنون بأهمية العناية بها، سواء عبر حضورها بشكلها الفصيح لغة إبداعية للمسرحيات، أو الحرص على سلامتها.![]() |
على الرغم من التأويلات المفتوحة لـ«فبركة» تكسب العمل ثراء حتى قبل استهلاله، نظراً لإثارته فضول المشاهد، واحتمال فكرة الكاتب لتفاصيل حياة تنبعث على الخشبة وحضور أحياء وأزقة وشخوص ومجاميع ، إلا أن النص في المجمل ظل مغلقاً على حوارات ثنائية بالتناوب بين ثلاثة أشخاص رئيسين، ما حرم المشاهد الكثير من أوليات الفرجة المسرحية.

تنفتح ستارة «فبركة» على ساحة تشغلها عربة لبيع «البوظة» ومقعد خشبي وجسر ظاهر في الأفق، وفيما يقوم أشخاص بجمع بقايا ورق ممزق، ينشغل رجل غريب الأطوار بنشيد يمجد الوطن، ما يدخله في نقاش حاد مع بائع «البوظة» حول جدوى ذلك، يتبين معه أن الأول الذي يؤدي دوره الممثل عمر طاهر، يعاني مشكلات نفسية، في حين يبدو الآخر الذي يؤدي دوره حمد الحمادي أكثر ثباتاً.
حاول المخرج الاشتغال بشكل ملحوظ على مفاجأة المشاهد بالأحداث، التي جاءت يعوزها النضج بعد ان ابتعدت عن الوتيرة التصاعدية المتدرجة، وكأن ثمة سباقاً فنياً على كشف كامل خيوط الحبكة الدرامية، وعمق غياب أي ملامح واضحة للزمان والمكان المسرحيين أزمة العمل، وإن كانت الرسالة الواضحة هي أن التطرف كما أنه لا وطن له، فهو غير مقتصر على مرحلة تاريخية بعينها.
هذه الأزمة انعكست بوضوح على الزج بسيدة في الأحداث، تؤدي دورها الممثلة العراقية رشا العبيدي، التي وجدناها تدخل في حوار مع غريب الأطوار «السيد» الذي مثلت إشاراته العصبية في الحوار معها إلى مغازيّ تتكشف لاحقاً ، فالرجل الذي لا ينفك يتغنى بالوطن، لا ينفك أيضاً أن يفارق الوعي مستسلماً لنوم فجائي، وحين يفيق يتحول إلى شخص آخر يهدد سلامة من حوله.
الحوار الداخلي للسيدة أو «المونولوج» كان مناسبة لفهم حقيقة ما يدور هنا، أو الاقتراب منه، وجاء بمثابة حل إخراجي سريع لضمان عدم انفصام الخشبة عن الجمهور، فالسيدة جاءت للانتقام من قاتل زوجها، وميتّم ابنتها، في حين أن الرجل غريب الأطوار نفسه، يعيش في يأس وتشتت، بعد أن قتل أحدهم زوجته وابنته.
حلول
الحلول الإخراجية الجاهزة توالت هنا ايضاً لمزيد من محاولة لملمة الأفكار، فوجدنا الهواجس الشيطانية تتنزل على الشخوص عبر الشخصيات المتشحة بالسواد، ذات الوجوه المستعارة، لكنها هنا أجادت بشكل ملحوظ في حركاتها التعبيرية، على الرغم من أن الوجوه المستعارة شكلت عائقاً في نطق الألفاظ على نحو سليم، ما يعني أن «فبركة» بالفعل حظيت بتمارين مسرحية ربما أكثر من غيرها من الأعمال المقدمة، وهو ما يحسب للمخرج في ظل شكوى لجنة المشاهدة من عدم جاهزية معظم الأعمال المقدمة حتى وقت قصير قبل إعلان قائمة المسرحيات التي تم قبولها في المسابقة الرسمية للمهرجان.
الاستعجال في لملمة خيوط الحبكة ايضاً كان بادياً في أكثر من مشهد، وصولاً إلى ذروة الأزمة، فوجدنا غريب الأطوار يتواجه مع السيدة، وكلاهما يسعى إلى قتل الآخر بتهمة أن الآخر هو من وقف وراء تفجير راح ضحيته أحباؤهم، في مشهد طال كثيراً على الرغم من أن الشحنة العاطفية التي كانت تحركهما كانت كفيلة منطقياً لأن تجعل إصبع أحدهما يضغط لإطلاق رصاصة، ليتحول المشهد بعد ذلك إلى مواجهة بين السيدة وبائع البوظة، الذي يتخلى عن لحيته الكثيفة لأول مرة، وكأنها قناع كان يختبئ خلفه، ليعلن أنه من كان يقف وراء كل تلك الحداث الدموية، بما فيها مقتل من يسعيان إلى الأخذ بثأرهما.
الإيحاءات الشيطانية تعود مرة أخرى لإنقاذ حبكة المخرج، التي تقود «السيد» غريب الأطوار إلى ارتداء حزام ناسف يوقف محاولات سيطرة المنتقمين من بعضهما بعضاً مدعياً أنه سيد المكان، والكلمة الفصل له، ليفجر المكان بأكمله في لحظة درامية التحمت معها الموسيقى التصويرية، وتصاعدت إيقاعها لتلتحم مع وجدان الحضور.
شاشة
المشهد الختامي، رغم غياب توظيف عنصر الإضاءة فيه، فضلاً عن اتكائه بالأساس على ديكور بسيط، استعان فيه المخرج بشاشة عرض تظهر يد خفيه تسعى بحركات مدروسة ومتتابعة إلى تحويل حضارة مزدهرة بالعمران والبناء إلى أنقاض، ليخلو المكان في ثوانٍ معدودة عقب تفجير انهار فيه كل شيء على الخشبة، من أي معالم له باستثناء اليد الخفية التي ظلت تعبث بالمقدرات في الظلام، إلى أن أصبحت هي الوحيدة المرئية بعد أن دفعت آخرين إلى معركة لم ينجُ من فنائها أي من أطرافها، قبل أن تمتد ألسنتها إلى المجتمع بكامله.








لست كاتباًطالب كاتب النص الشاب محمود القطان، من يقف على تحليل «فبركة» ألا يقره كاتباً، بل يعتمده مبتدئاً وهاوياً يسعى إلى تطوير أدواته، مطالباً الجميع بالإجابة عن سؤال يشغله: «هل تطورت أدواتي بعد محاولتي الأولى العام الماضي عبر مسرحية (ليلة حساب)، أم أنني لا أزال أراوح مكاني» مؤكداً أن هذا السؤال سيعود ويطرحه عقب مشاركته العام المقبل أيضاً. «نص القطان كان بحاجة إلى تشذيب، لكنه تطور كثيراً قياساً بالعمل السابق، ويحمل بذرة خامة وموهبة جيدة تحتاج إليها ساحة الكتابة للمسرح الإماراتي» بحسب ممثلين ومتابعين للعملين معاً، والأهم من ذلك هو وجود شاب مشغول بالاجتهاد على نتاجه، حسب الفنان محمود ابوالعباس الذي أكد أن القطان من اكثر الشباب حرصاً على الاستفادة والتواصل مع كتاب مخضرمين.عودة ممثلالفنان الشاب حمد الحمادي الذي عرفه مهرجان دبي لمسرح الشباب سجل عودته في هذا المهرجان ممثلاً، في خطوة يزهد فيها كثير من الشباب الذين تغريهم المشاركة بشكل أكبر تحت مسمى مخرج، وهنا يسجل للحمادي أنه كان ملماً بمتطلبات الدور، على الرغم من مروره بمرحلتين نفسيتين مختلفين، احداهما في دور بائع البوظة البسيط خفيف الظل، وثانيتهما حينما كشف الوجه القبيح للمتطرفين فكرياً، الساعين إلى تدمير المجتمع وفق رؤى مغلوطة. خطوة الحمادي التي تنم عن نضج فني من المفترض أن تغري شباباً نجحوا بشكل أكبر في أدائهم التمثيلي، ما يعني أن التجارب الإخراجية التي يعتبرها البعض متعثرة قد تحجب مواهب قادرة على الإبداع بشكل أكبر في فن مسرحي آخر، لاسيما أن معظم المخرجين الشباب هم بالأساس ممثلون يمتلك الكثير منهم مواهب مقدرة.«العربية» أولاًالمسرحي يحيى الحاج أوقع المترجمين إلى الانجليزية في الندوة التطبيقية في حرج، وبتلقائيته فجّر أهمية وجود ميثاق شرف مسرحي لدعم استخدام مصطلحات عربية في أدبيات النقد المسرحي، على نحو استثمره مدير الندوة الفنان حسن رجب بخفة ظل، حينما طلب استخدام سماعة الترجمة للتعرف إلى مصطلحات الحاج الذي يصر على استخدام مصطلحات انجليزية في عبارات معروفة منها «الثقة الذاتية للفنان».الحضور الأجنبي الذي أثرى الندوة بمداخلات فنية وآراء نقدية فطن أيضاً إلى أن ثمة مفارقة تتعلق باللغة، حينما سمع المصطلح الانجليزي على لسان الحاج، وهي مفارقة لم تبتعد كثيراً عن أزمة اللغة العربية في المهرجان، على الرغم من توجيه هيئة دبي للثقافة والفنون بأهمية العناية بها، سواء عبر حضورها بشكلها الفصيح لغة إبداعية للمسرحيات، أو الحرص على سلامتها.