«دبي الشعبي» يقدم «الثالث» في أيام الشارقة المسرحية

عرض يبحث في الشائك من صورة العربي في ذهن الآخر

البيان


على خشبة مسرح دبي الشعبي، يخوض المخرج عبدالله صالح مع ممثليه رائد الدالاتي وابراهيم استادي في تفاصيل نص مسرحية (الثالث) الذي كتبه باللغة العربية الفصحى، لكي تناسب شمولية الدلالات والإشارات التي يسعى الى توصيلها، متكئاً على قضية راهنة ومهمة، تتعلق بصورة العربي في المجتمع الغربي، خصوصاً بعد أحداث عالمية أنتجت كثيراً من الشد والتوتر، وتداعت فيها الحالة الى شن الحروب في اطار مكافحة الارهاب.. هناك شاب عربي يدرس في إحدى المدن الغربية، يحلم هذا الشاب بالوصول باكرا الى قاعة الدرس، لكن يفوته القطار كل صباح، وكما في كل مرة، يمر قطار الجيش الذي ينخدع بهدير عجلاته هذا الشاب الحالم، وكالعادة ينام على كرسي الانتظار في فضاء المحطة، ولكن تأتي الظروف برجل غربي يتقاسم الكرسي مع الشاب النائب.

تسير احداث المسرحية بعد نقاش طويل بين الرجل والشاب تتكشف عنه وجهتا نظر متضادتان، الغربي يرى في الشاب العربي صورة الارهابي، بينما تغذي هذا الشعور وسائل الاعلام التي تتحدث عن تفجير وقع في محطة قطار أخرى..تنمو الهواجس في لحظاتها الصغيرة، وهكذا يرى الشاب العربي من موقعه انه في خانة الشك والريبة، بل والاتهام.. وسرعان ما تتطور لحظة التقابل المتضادة، فالفتى يرى انه من الواجب الدفاع عن نفسه، ويواجه الآخر بجريمة تشويه صورته، وحينما لا يجد مجالاً لإقناع هذا الآخر بصدق ما يقول، يضطر الى ممارسة شيء من الاستفزاز..(نعم أنا إرهابي.. وجدي إرهابي وأبي ايضاً إرهابي..هذا ما تريد ان تفهمه عني فقط)..يستشيط الشاب غضباً، وهو يحاول محو هذه الصورة من خيالات هذا الرجل، الآخر الذي لا يقبل أن يبدل صورته، ولا ان يكتشف الحقيقة في صورتها الصحيحة. ويستمر الصراع متنامياً ومستنداً على هذه الثنائية المتضادة الى نهاية العرض.

في اطار هذا الطرح الفكري، يحاول المؤلف والمخرج عبدالله صالح أن يدين صورة العربي المشوه في ذهن الآخر، ومحاولاً في جهة التقنية الفنية، الاتكاء على اداء ممثليه، رائد الدالاتي (الرجل الاجنبي) وابراهيم استادي (الفتى الشاب الذي يدرس في الخارج).

وكما يبدو من العرض الأولي الذي قدمته الفرقة قبل أيام قليلة، أمام لجنة مشاهدة عروض ايام الشارقة المسرحية، استعداداً لانطلاق فعالياتها في السابع عشر من مارس الجاري..فإن الفريق الثلاثي، عبدالله صالح، رائد الدالاتي وابراهيم استادي، يبدو واضحا انه بذل جهدا كبيرا في الوصول الى حالات متصاعدة ومتوترة من الاداء التمثيلي في وسط فضاء مفتوح وبحر من السواد تكسر حدته ووحشته بعض قطع الديكور البسيطة..إنارات شارع، علامة سطة القطار، كرسي خشبية تتوسط الخشبة، ويتحول في تموضعات مختلفة الى زنزانة تحقيق، وإلى وسيلة اشتباك بين الممثلين.. فعرض (الثالث) الذي يقدمه عبدالله صالح من اجل المنافسة في مهرجان ايام الشارقة المسرحية، يبدو انه عرض مشاكس ليس فقط على صعيد الموضوعة التي يحملها، والمقولة التي يرفع شعارها، وهي موضوعة حساسة وضرورية وقابلة للطرح والنقاش، خصوصا في عصرنا الحالي، وفي المرحلة الحالية بالذات، بل إنه عرض مشاكس من ناحية الشكل والمضمون والأداء، إذ لا تحمل الحالة المشهدية الكثير من العناء والتكلف في بسط العضلات الاخراجية، وتعددية الحلول، وإنما وهي في صميم بساطتها، تولد فضاءاتها توليداً طبيعياً ومنطقياً، فتصنع في كل مرة فضاء مختلفاً بسهولة ويسر وإتقان أيضاً.

على الجانب الآخر، ترافق مفاصل العرض وتفاصيله مؤثرات صوتية تأت من ألتين متقابلتين ايضا.. آلة العود التي تعني بدلالاتها الشرق وآلة الغيتار التي تعني بدلالاتها ذلك الآخر..لكن الآلتين تبدوان متنغامتين، منسجتمين وتشكل بحراً من الايقاع الموسيقي الهارموني، في الوقت الذي يزداد الشد والجذب بين الرجل الغربي والفتى العربي.. وربما اراد عبدالله صالح ان يقول من خلال وجود هاتين الآلتين وتناغمهما، ان الوضع الطبيعي في الحياة والطبيعة هو أن الأشياء تنسجم مع بعضها، وباستطاعتنا ان نكون متقاربين ومتناغمين مع الآخر، لو ان كل طرف أسلم ايديولوجيته للحالة الطبيعية.. انها تبدو اشارة ذكية، مثلما هو المشهد الاخير الذي ينكشف فيه سر الرجل الآخر.

دبي- مرعي الحليان

السبت، 5/3/2011 4:06 ص

«دبي الشعبي» يقدم «الثالث» في أيام الشارقة المسرحية

شارك الخبر :