البيان – عبدالإله عبدالقادر
سالم الحتاوي انتقل إلى رحمة ربه قبل أشهر قلائل، كلنا نموت، ولا غرابة في ذلك، إنما لأن الحتاوي مات شاباً مملوءاً بأفكار وحماس وأمل.
لمن لا يعرف سالم، فهو كاتب مسرحي من دولة الإمارات، صوت شاب، واحد من أهم الأصوات المسرحية الشبابية التي شكل وزملاء جيله، الذين حملوا هم الكتابة للمسرح، قدم لمسرح الإمارات العديد من المسرحيات التي شكلت طليعة العروض خلال النصف الثاني من عقد التسعينات من القرن الماضي وبداية القرن الحالي، من أشهر المسرحيات التي كتبها (أحلام مسعود، عرج السواحل، الملة، ليلة زفاف، زمزمية، ريش على ما فيش، ومسرحيات أخرى).
كنت آخذ عليه كثرة كتاباته في السنوات الأخيرة قبل رحيله، وقد كتبت عن هذه الظاهرة، ثم تحدثت معه شخصياً عن أسباب لجوئه للإكثار من الكتابة، لأني كنت أحرص على أن يكون بمستوى عال جداً في الكتابة وقد كان، غير أن أحداً لم يعرف السبب في هذا النهج إلا عندما رحل.
هل كان سالم الحتاوي يشعر بأنه سيرحل سريعاً لذا حاول أن يستغل ما تبقى من حياته استغلالاً جيداً ليترك بصمة إبهامه من بعده نتحدث عن سيرته؟!
في حديثي المباشر معه عن أسباب لجوئه للكتابة بهذه الكثافة كان لا يملك جواباً، ويظل ينظر إلى مبتسماً وخجلاً فهو يدرك حرصي وكنت أخشى عليه من السهولة، ولكنه لم يكن يملك جواباً غير تصرف لا شعوري باستمراره في الكتابة أشاهده لمرات عديدة في مسرح دبي الشعبي وهو ينزوي في ركن هادئ يحاول أن يشطب نصاً أو يعيد قراءة نص، في كل مهرجان تجد له أكثر من نص مسرحي بل وأحياناً يسجل رقماً قياسياً لا يصدقه أحد إلا لمن يعرف الحتاوي أو لمن يرتاد هذه المهرجانات.
بعد رحيله.. رجعت إلى نفسي، وحواراتي معه والمهرجانات المسرحية التي كان يساهم بها، وبدأت أدرك معنى أن يشعر الإنسان بأن الموت حق، وبدأت أتلمس فلسفة للموت قد يكون الراحل قد تبناها.
وهي أن الحياة قصيرة إلى درجة أنها لن تسمح لنا أن نستكمل مشوارنا الحياتي ولا أن ننجز مشروعنا الثقافي أو الفني، فالحياة مهما طالت قصيرة جداً لا نكاد أن نتلمس جمالها حتى نرى نهايتها، لقد امتعني سالم الحتاوي في حياته من خلال مشاهداتي أو قراءاتي للمسرحيات التي كتبها.
واليوم كلما تذكرته وسرعة رحيله وكأنه على عجالة من هذا الرحيل، حتى أدرك مفهوماً جديداً لفلسفة الموت، فقد كان يدرك أنه راحل لا ريب، وأنه حاول جاهداً أن يترك لنا أكبر عدد من مسرحيات جيدة رأت النور على خشبة المسرح أسعد الناس وأمتعهم وعانى من هم الكتابة ورحل مبكراً.
السبت، 5/6/2010 3:38 م
سالم الحتاوي وفلسفة الموت







