
رحل سالم الحتاوي وكأنه لم يعد يطيق ان يبقى بيننا، ذهب وهو حزين من نفسه والآخرين أو هو ما احسسته منه في آخر ايام الشارقة المسرحية، وهو يهم بالعودة مع بعض الأصدقاء لعشاء مطعم زمزم، وقبل الدخول في الحزن والفرح أقول عرفت سالم من بداية كتاباته للمسرح وتعثراته الصغيرة الأولى وولعه بملاحظات الآخرين كطفل يكتب خواطره الأولى ويقدمها لمدرس اللغة العربية كي يعطي رأياً فيها، وحتى بعد نجاحاته الكبيرة في الكتابة للمسرح والتلفزيون لم يفقد الخجل والتواضع ورأي الآخرين.
عرفت الحتاوي في مملكة السلام والياثوم وأسماء كثيرة من اعماله التي قدمت وأصبح لها عشاق وأعداء ونقاد حذرون، والحتاوي التقيته بشكل حقيقي بدايات التسعينات، وفجأة أصبحنا اصدقاء ونتحدث كثيراً في المسرح والتراث وحكايات الناس من دون ان نشعر بالوقت يسرقنا فيذهب كل منا في حاله.
كان الحتاوي صندوقاً كبيراً مملوء بالأصدقاء والمعارف (لا أعرف كيف يقع رحيله على قلوبهم ورؤوسهم، وكيف يُفسر رحيله من دون استئذان أو حتى حركة وداع كما تعود مع الجميع)، ليس كونه كاتباً، بل كان صديقاً ويحب العالم بكل هدوء الحكماء، يحب العالم من دون شرط وأحب الحياة بعنف ولم يتخل عن أصغر جزئية فيها ليأخذ منها كلما استطاع.
كتب لي سالم الحتاوي قبل 6سنوات في كتابه الياثوم اهداء يقول: (اتمنى ان تدوم هذه العلاقة الى الأبد) وفيها ادركت كم يحب الحتاوي ان يبقى في الذاكرة حتى النهاية وكأن الصداقة مشروع ازلي، وكتب في المقدمة (مسرح سالم الحتاوي… حياة مضافة)، وقد أثارت المقدمة حافزاً كبيراً في داخلي وذلك خلال من واقعين. الأول هو انني صديق هذا الرجل (والى الأبد)، وثانيا ضرورة البحث والكتابة عن رجل تكنى اعماله بالمسرح كمسرح بودلير او نجيب سرور او محمد الماغوط، وكأنني كنت في غفلة عن موضوعة ما او تحفيز وتحد في الوعي، فكلمته عن مشروع الكتابة، عمّا يكتبه للمسرح، وكان سعيدا وفرحا وإن أحس ان هذا اكبر من ان يتوقعه او يفهمه وفعلا كان محرجاً.
اعطاني مسرحياته المطبوعة وغير المطبوعة ومجموعة ارشيف في مجموعة ألبومات عن كل ما كتب عنه، وكانت ثروة كبيرة عملت عليها فترة طويلة خلالها لم يفكر الحتاوي ان يرى ما كتبت سوى المقدمة وكان ما قاله عنها (هذا اكثر بكثير مما استحق).
رحل سالم وبقينا جميعاً وحيدين في غربة الصحراء أنا والكثير منا.. حسين جواد، عمر غباش، احمد الأنصاري، ناجي الحاي، محمد سعيد والكثيرون ممن اعتادوا ابتسامته الخجلى، وجلوسه ومجلسه الدائم في جمعية دبي للفنون الشعبية على طاولة صغيرة مقابل طاولة البلياردو فاتحاً كمبيوتره المحمول، يبحث عن حكاية او نص لم يكتمل او عمل تلفزيوني لا يريد ان يفقد ترابطه معه.
الكتابة عن سالم الحتاوي او مدحه او الكتابة عن نصوصه لم تعد يجدي من دون التعمق في وجود هذا الانسان الكبير بقلبه وفكره، وهذا المقال تحية صغيرة وتلويحة وداع (يقول المثل الشعبي ما يروح إلا الطيب) وأتذكر ان الراحل اخبرني في يوم ما انه يوم رؤية كتابي عنه فقط من اجل المقدمة، والتي اقدمها في نهاية هذا النص في رحيله.. بذيل هذا الوداع والذي يحزنني ان اكون كاتبه في رفيق المسرح والعمر والحب سالم الحتاوي.
سالم.. انت من الناس الذين لا يتكررون، ليس بقلبك او فكرك او ابداعك، ولكن بك انت فقد كسالم الحتاوي الصديق الذي ملأني حباً واحتراماً واليوم يملؤني فجيعة وحزنا.
كتابة النص المسرحي فيها من الندرة قدر ما فيها من الخصوصية وهي عملية خاصة تتكون بين الكاتب وعالم نصه من ورق وشخوص ومخرج وجمهور ونجاح وفشل، هي تجربة تخضع لنوع من المصادفة فيما يمارسه الكاتب من فعل الكتابة الشخصي، كونه لا يمارس هذا الفعل لفرقة معينة او فرقة مسرحية او ممثل او ممثلة، حيث يتكون نوع من الصدق الخاص والإبداع الجميل في النصوص المكتوبة للعرض المسرحي، يبدع الكاتب حين يفرغ في نصوصه محتويات ابداعه وجنونه من دون رقابة او توصية، يحركه شيئا ما ويخلق من رحمه حياة جديدة قد تكون مرتبطة به وبروحه وقلبه وقد تكون من ذوات وحيوات الآخرين وأفعالهم المتمردة التي قد تلتقي معه وقد لا. ويحدث ان يكون فعل الكتابة واحدة من جنياته الهاربة ليلا تملؤها الرغبة في الاستلقاء على صفحات دفترا يتصفحه عاشقا آخر أو مجنونا آخر.
الحديث فيما ذكرنا عن حالة الكتابة نجدها كثيرا في نصوص سالم الحتاوي او مسرح سالم الحتاوي، كما ذكرت دائرة الثقافة في تقديمها لآخر اصداراته المسرحية وهي تحوي في مجموعها مع بقية نصوصه المنشورة وغير المنشورة الكثير من خصوصية الكتابة عن الواقع المحلي وتأكيدا له، مما يبرز واقعية النص فكراً ولغة وهي لعبة نجح فيها الحتاوي، حيث أسهم في تطوير وتحديث وصياغة النص المسرحي في الإمارات كونه اكثر الكتّاب غزارة وتواصلاً، وكون اغلب اعماله قدمت على خشبة المسرح وأثارت حدثاً وحديثاً.
يتميز سالم الحتاوي في كتابته بهم معني بتطوير المسرح المحلي وهو هم يتجاوز مجرد الكتابة باللهجة المحلية. فضلاً عن قدرته على المزج ما بين الهم المحلي والهم العربي والهم الإنساني في لغة نابعة من البيئة ومفرداتها من اسماء وأحداث وأماكن تغلب عليها صورة مجتمع ما قبل النفط فالأسماء (شيخة، عبيدان، عتيق، بو عفراء، بو دنوس، موزة، صقر) ارتبطت بهذا المجتمع كما المكان الذي يظهر في البيوت الشعبية القديمة بمفرداتها (الحوش، الليوان، المندوس، البير) وتتم مفردات أعماله نفسها بلغتها القاسية جدا او الناعمة جدا في بعض الأحيان.







