
الشارقة ـ حميد قاسم:
بعد توقف استمر يومين كرسا لشهادات في مسرح الطفل، استأنف مهرجان الإمارات تقديم العروض المسرحية المشاركة في المسابقة الرسمية في دورة المهرجان الأولى، بعرض مسرحية ‘مملكة السلام’ التي أعاد مسرح دبي الشعبي عرضها، بعد ان مر أكثر من عامين على عرضها الأول في العام 2003 م، وبرغم التعديلات التي أجريت على المسرحية في المعالجة الإخراجية الجديدة، فقد احتفظت المسرحية في نسختها الحالية ببعض سمات العرض الأول، وهو ما سنعرض له لاحقا هنا في ملاحظاتنا النقدية هذه، في ضوء مشاهدتنا لعرض السبت الماضي، في قصر الثقافة بالشارقة·
تدور حكاية العرض التي كتبها سالم الحتاوي وأخرجها محمد سعيد السلطي حول الثيمة المعهودة والأثيرة في أعمال مسرح الطفل، ونعني فكرة الصراع بين الخير والشر وما تطرحه مفاصل الصراع من انتصار للقيم النبيلة وتكريسها، وهي حكاية أفلح سالم الحتاوي مؤلفا في تخليصها من التناول السطحي الفج الى حد كبير، برغم ما شابها من خطابية مباشرة في لحظات لم تكن في صالح العمل على قلتها· وجاءت معالجة المخرج محمد سعيد السلطي موفقة الى حد كبير في تقديم عرض استعان بعناصر الإبهار واستحوذ على تفاعل الجمهور الصغير، وحتى الكبار، واندماجه في العرض، وحتى المشاركة فيه احيانا، مستنداً الى خبرة وبراعة الفنان عبد الله صالح، ممثلاً للدور الأبرز ‘خرابوه’ وكاتباً وملحنا لأغاني العمل التي اسهمت في تلوين العمل وتقريبه الى الجمهور بتوافقها مع روح الطفولة وتوظيفها الموروث الشعبي، وجاءت مشاركة الفنان المجتهد مروان عبد الله في دور ‘المهرج’ لتكون المحور الأساسي في شد أوصال العمل وبناء تلك الصلة الحميمة مع المتلقين الصغار· وفي الإطار نفسه كانت مشاركة الفنانين سعيد عبد الرحمن وغانم ناصر وعبد الرحمن محمد، فضلاً عن الفنان حسن يوسف في دور ‘جاسم’، الطفل الذي يبحر برفقة المهرج، الذي كان بصورة أخرى بمثابة الراوي الذي اتكأ عليه المخرج كثيراً في معالجته الدرامية، إذ تبدأ الأحداث من غرفة الألعاب ‘الدمى’ لتستعرض حكاية مملكة آمنة يحكمها حاكم عادل، يسودها السلام حتى يقدم خرابوه وعصابته من كهفهم المظلم بدلالته الرمزية الواضحة، ليعيثوا فسادا فيها، بعد ان يرغموا ‘ صنوع’ المخترع العبقري على اختراع آلة تجعل من يرغم على دخولها شخصاً شريراً على شاكلة خرابوه وأفراد عصابته الذين يحبسون الملك ويستولون على ابنه فارس، بعد ان احتجزوا المخترع، وأشاعوا الفساد في المملكة الآمنة وشعبها·
صراع الأنداد
وتتوالى الأحداث بعد ان تبذل بنت الملك جهودها بمعاونة جاسم حتى تعثر على صنوع لتطلق سراحه، وبعد عطل الجهاز يتنكر صنوع بوصفه حرفيا يستطيع اصلاح الآلة، ومن هنا يفلح في تغيير مهمتها بصورة معاكسة الى حد متطرف بادىء الأمر لتجعل كل من يدخلها يعود طفلاً غريرا في غاية البراءة، ويكون خرابوه أول ‘ضحاياها’ بعد ان أفلح صنوع في خداعه واقناعه بدخولها ليكون أقوى شخص في المملكة، وهكذا يحيل أعوانه واحداً واحدا بطريقة كاريكتورية مضحكة إلى اطفال في غاية الوداعة، ومن ثم يعدل المخترع الجهاز ليعيد الناس الى طبيعتهم الأولى، ومنهم ابن الملك الذي يطلق سراحه ليعود الى سدة الحكم وسط هتافات الجمهور بحياته والدعوة للخير، ومن ثم يعود جاسم الى وضعيته الأولى ليجد نفسه وسط غرفة العابه ودماه الساكنة التي كانت منذ لحظات شخصيات ضاجة بالحياة وتقود مجريات الأحداث في صراعاتها، وكان يمكن للمخرج ان يقف عند هذه النقطة لتكون خاتمة مناسبة جداً لولا انه انساق وراء حماسة الأغاني التي استدرجته مرة أخرى، فاضاف زمنا صار عبئا على العمل برغم قصره·
ملاحظات أخيرة
تضافر الديكور الموحي والمتميز بسلاسة تحريكه وتوظيف قطعه، مع الإضاءة التي صممها محمد جمال وتنويعاتها الجمالية في تقديم عناصر ابهار اسهمت الى حد كبير في تفاعل جمهور الأطفال ومساهمتهم الحماسية في تتبعه والإنشداد اليه، مأخوذين بحيوية الأغاني التي ابدع فيها الفنان عبد الله صالح، برغم ملاحظتنا على الإفراط المبالغ فيه باستخدامها، ولنا ملاحظة لاينبغي ان تفوتنا، تتعلق بظروف العرض الأول للمسرحية، فقد كانت تراعي الناحية التجارية في التسويق، وبرغم التعديل الواضح في عرضنا هذا، الا ان شيئا من سمات تلك الناحية ظل ماثلا في هذا العرض وان بصورة طفيفة، فضلا عن مدة العرض التي جاوزت الساعة، وهو زمن ينبغي الإهتمام به في عروض مخصصة للطفل مثل هذا العرض·
وختاما ليس لنا سوى الإشادة ثانية ببراعة الفنان عبد الله صالح والأداء الذي قدم به دوره هذا، فضلا عن الأداء البارع لبقية الممثلين، وفي المقدمة منهم مروان عبد الله وحسن موسى وعبد الرحمن سعيد وغانم ناصر وسعيد عبد العزيز، وبدرجة أقل: عبد الله بن لندن وفاطمة حسن وسواهما·







